محمد أبو زهرة
28
المعجزة الكبرى القرآن
سنبين أنه لم يأت قط بما يخالف المصحف المحفوظ عند أم المؤمنين حفصة عندما قابله به . وقبل أن ننتقل إلى ما فعل الإمام عثمان رضى اللّه تبارك وتعالى عنه لا بد أن نذكر حقيقتين دل عليهما المأثور عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والسياق التاريخي : أولهما : أن الذي كتب في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يعتره تغيير ، ولم تجر عليه الحروف السبعة ، وأن الحروف السبعة كانت في قراءة القرآن ، لا في كتابته ، وأن استئذان النبي صلى اللّه عليه وسلم كان في القراءة لا في الكتابة . ثانيتهما : أن استئذان النبي صلى اللّه عليه وسلم كان ليسهل على أمته حتى تلين ألسنتهم ، وتستقيم على النطق باللغة التي اختارها اللّه تعالى لقرآنه المنزل من عنده وهو العليم ، وهي لغة قريش في جل ما أنزل اللّه تعالت كلماته ، فكانت لغة قريش لغة الأدب في الجاهلية والإسلام فكان من منطق الحوادث أن يكون أعلى الكلام ينزل في ثوب أعلى اللغات العربية إذ كانت لغة الشعر والأدب . 15 - ولننتقل بعد ذلك إلى جمع ذي النورين عثمان رضى اللّه عنه ، ومكانه من جمع الشيخين أبى بكر وعمر رضى اللّه تعالى عنهما ، وجزاهما عن الإسلام خيرا . تفرق الصحابة من المهاجرين والأنصار ، وقد كان عمر رضى اللّه تبارك وتعالى عنه آخذا بحجزات الصحابة وخصوصا كبارهم يمنعهم من مغادرة الحرمين ، فاختلف الناس في القراءة ، ومنهم من كان يقرأ بالقراءات أو اللغات المختلفة التي ما كانت القراءة بها إلا ترخيصا مؤقتا حتى تلين الألسنة إلى لغة القرآن ، وإنها لواحدة ، وإن اختلفت القراءات المتواترة في ظلها ما بين حذف الهمزة في النطق ، وإن كانت باقية في مصحف عثمان تقرأ فيه مثبتة وغير مثبتة كالأرض ( مهموزة ) والأرض ( من غير همزة ) ومن اختلاف في الشكل يدل في كل شكل على معنى صحيح يصلح أن يكون مقصودا في القرآن ، ويكون الجمع صحيحا ، مثل أنفسكم « بضم الفاء » وأنفسكم « بفتحها » ومثل فتبينوا بالباء بعد التاء ، أو فتثبتوا بالثاء بعد التاء وبعدها باء ثم تاء . وما كان اختلاف القراء في الأمصار في عهد عثمان في هذه القراءات المشهورة بيننا الآن إنما كان الاختلاف في اللغات التي كان مرخصا بها ، فمنهم من لم يعلم نسخها ، عند قراءة جبريل للنبي صلى اللّه عليه وسلم في العرضات الأخيرة . لقد اشتد الأمر في ذلك ، وعظم اختلافهم وتشبث كل فريق بما يقرأ ، زاعما أن غيره هو الباطل الذي لا ريب فيه ، ووقع الخلاف بين أهل العراق وأهل الشام عندما اجتمعوا في غزوة أرمينية ، فقرأت كل طائفة بما روى لها ، وتنازعوا أمرهم بينهم ، وأظهر بعضهم تكفير بعض ، وتبرأ بعضهم من بعض ، وكان معهم حذيفة بن اليمان كما